اخبارحلب
اخبار ميدانية و عسكرية و محلية من مدينة حلب و كامل المدن السورية

بثينة شعبان تفصح بعد عشرات السنيين عن مباحثات الرئيس الراحل حافظ الأسد و كيسنجر 

0

“حافة الهاوية – وثيقة وطن.. الرواية التاريخية لمباحثات حافظ الأسد وهنري كيسنجر” – الحلقة الثالثة

في هذه الحلقة، تتابع الدكتورة بثينة شعبان الحديث عن الزيارات المكوكية لوزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر بين دمشق وتل أبيب للتوصل إلى اتفاق فصل القوات، وصولاً إلى زيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون للعاصمة السورية عام 1974


امتدت الرحلة المكوكية لوزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر فترة طويلة تخللتها العديد من الأحداث، بينها إرسال حكمت الشهابي رئيس الاستخبارات العسكرية السورية إلى واشنطن والقلق الذي انتاب الإسرائيليون والسوفييت من رؤية ضابط سوري رفيع في زيارة للعاصمة الأميركية، استياء سوفييتي من المقاربة الأميركية أحادية الجانب لعملية السلام في الشرق الأوسط، استقالة غولدا مائير ودخول إسرئيل في معركة تشكيل الحكومة، وهو الأمر الذي استغله كيسنجر كورقة تفاوضية في دمشق لتبرير التعنت الإسرائيلي لقبول مبادرته للسلام. وعد الأسد كيسنجر بأن يأتي الشهابي بمزاج راغب في التعاون، وهذا ما حصل فعلاً، حيث بدا الشهابي هادئاً ومرناً ومبتسماً. وأعاد كيسنجر شرح العرض الذي قدمه وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه دايان، مذكراً الشهابي بالخلافات الحالية في إسرائيل، والضغوط التي يمارسها اللوبي اليهودي في واشنطن. ثم قام الشهابي بشرح الموقف الرسمي السوري، مضيفاً أن بلاده مستعدة لقبول منطقة عازلة تديرها الأمم المتحدة على طرفي الخط الفاصل، ومناطق محدودة السلاح متساوية في المساحة على كلا طرفي خط الفصل، مع بقاء حدود التخفيف مفتوحة للتفاوض. وبناءً على هذا الموقف السوري رد كيسنجر برسالة أرسلها مع الشهابي إلى الرئيس الأسد قال فيها: “إن مبادئ اتفاق محتمل قد بدأت بالتبلور”. وأخيراً اتفقت سوريا وإسرائيل على فصل قواتهما، ولم يبقَ على كيسنجر إلا أن يحرك خط الفصل إلى ما وراء خط السادس من تشرين الأول – أكتوبر 1973، الأمر الذي يزعج الإسرائيليين كثيراً.

 

طريق المفاوضات الطويل

كان على السوريين انتظار تشكيل حكومة جديدة في إسرائيل، وفعلاً أتى اسحاق رابين بسياسيين شبان لا يشاطرون من سبقهم المخاوف الأمنية ذاتها. وُلد فريق جديد في الشرق الأوسط وأعضاؤه أكثر استرخاءً بالتعامل مع محيطهم العربي من غولدا مائير وجيلها من اليهود الأوروبيين، تقول الكاتبة. كان كيسنجر قد التقى ثلث أعضاء وزارة مائير، وهم أولئك الذين وصفهم بالجزء “الذكي” من الوزارة. حينها ابتسم الأسد وأجاب “هذا يعني أن ثلثي أعضاء الوزارة أغبياء، إذن لا عجب أن يكون الطريق إلى بلوغ السلام معهم صعباً جداً”.

في هذا الجزء من الحوار بين الأسد وكيسنجر، تذكر الكاتبة تفاصيل تشعرك بالحالة النفسية للمحاورين وتأخذك إلى قصر الروضة الرئاسي الذي وصفته بشكل دقيق في أجزاء الكتاب، مع انقطاع مفاجئ للتيار الكهربائي وما تلاه من تعليقات أثناء الحوار، حتى أنها ترسم صورة لوجه الرئيس الأسد وتوصف جلسته وغضبه أو تبسمه في حالات معينة هو وضيفه الأميركي. هذه التفاصيل تُشعر القارئ كما لو أنه موجود معهم في ذات الجلسة، خاصة في الجزء الذي عرض فيه كيسنجر خريطة جاء بها من إسرائيل، وقال للأسد: “أخشى إن رأيتم ما عرضه الإسرائيليون، أن تقوموا الليلة بإطلاق ثمانية آلاف طلقة على مواقع إسرائيلية بدلاً من أربعة آلاف”. حينها تقول الكاتبة، ضحك الأسد والتفت إلى كيسنجر قائلاً: “من الآن فصاعداً، أنا لن أقبل بمترٍ واحدٍ أقل من الخط الذي قمت بتحديده، ولا أوجه هذه الكلمات لك، بل هي رأيي بكل صراحة، لن أقبل بمتر واحد دون الخط الذي حددته، ولن نسمح للإسرائيليين بالاستمرار بالاستهانة بنا على هذا النحو، ويبدو أننا اخطأنا فهمهم مرة أخرى، الحقيقة هي أنهم قوة عدوانية توسعية في المنطقة وهذه طبيعتهم، ويرفضون تعلّم دروسٍ يستفيدون منها، وفي رأيي ليس هذا غريباً عليك دكتور كيسنجر، وأنا أخبرتك بذلك في أول لقاء بيننا حين قلت لك: إننا لن نتنازل عن حقنا في بوصة واحدة من أرضنا ولو وجب علينا أن نخوض 200 حرب”.

 

عرض القنيطرة

إن حالة التوتر التي عاشها كيسنجر وهو يتنقل بين القاهرة ودمشق وتل أبيب، محاولاً صنع جديد في محادثاته، وتمكن من انتزاع عرض إسرائيلي جديدٍ للأسد، يقضي بانتقال الخط الدفاعي الإسرائيلي غرب القنيطرة، بينما يُعاد نصف المدينة إلى السيطرة السورية، ويبقى النصف الثاني تحت إشراف بين إسرائيل والأمم المتحدة. وراح يشرح كيسنجر للرئيس الأسد بحضور العميد حكمت الشهابي مدى التعنت الإسرائيلي والحرس الإسرائيلي القديم، وحجم الصعوبات التي واجهته في المفاوضات وعدداً من النقاط كمقدمة قبل تقديمه عرض القنيطرة. وحاول كيسنجر جلب الشهابي إلى صفه من خلال أخذ شهادة منه كونه يعرف أميركا جيداً، لكن الشهابي لم يُجب بكلمة، إذ لم يشأ أن يساعد الأميركيين على إقناع قائده، تقول شعبان. هنا قاطع الأسد الحديث قائلاً بهزء وصلابة: “معنى ذلك أن ليس هنالك ما يُسرّ”. عندها أخرج كيسنجر من حقيبته خريطة جديدة وبدأ يشرح عليها، واعداً بمزيد من التراجع الإسرائيلي إلى ما وراء الخط الذي كانوا عليه في السادس من تشرين الأول -أكتوبر، وأبلغهم بموافقة إسرائيل على إعادة القنيطرة بأكملها. عند ذلك تذكُرُ الرواية أن الأسد رد على كيسنجر قائلاً: “هم لم يتراجعوا خلف خط السادس من تشرين الأول، لا توجد خطوط فصل متوازية، وسيؤدي المخطط الحالي إلى مزيد من تدخل القوات، لا فصلها، يحافظون على نقاط قاموا باحتلالها بعد وقف إطلاق النار في 22 تشرين الأول، ولم يكن لهم قبل ذلك التاريخ أي وجود على جبل الشيخ، تكمن أهمية القنيطرة في عودة سكانها إليها، وإن لم يحصل ذلك فالأفضل من ناحية عسكرية ألا تستعيد سورية هذه المدينة”.

 

الخلاف حول التلال

هنا تذكر محاضر الجلسات أن كيسنجر وضع على طاولة المفاوضات مع الأسد خريطة مصوّرة للقنيطرة، أُخذت من طائرة تجسس أميركية، حينها نظر الأسد إلى الخريطة قائلاً: “هُم الإسرائيليون باقون في المرصد على جبل الشيخ وهنا على التلال”. بدا من الواضح أن الإسرائيليين لن يتخلوا عن التلال غرب القنيطرة مما دفع الأسد إلى تأكيد وجوب عودة التلال المحيطة بالقنيطرة إلى سوريا، وإلا “فالقنيطرة لا تساوي شيئاً”. الحديث وصل إلى رئيسة الوزراء المستقيلة غولدا مائير التي التقاها كيسنجر في 13 أيار مايو 1974، والتي ثارت ثورتها قائلة: “لا يستحق الأسد أن يحصل على ما يريد”. ولم تقبل مائير أكثر من إجراء تعديلات بسيطة على العرض الإسرائيلي لفصل القوات. عاد كيسنجر إلى دمشق في 14 أيار مايو ليقدم الخريطة الجديدة، مضيفاً إليها عرضاً أميركياً جديداً بإعادة إعمار القنيطرة، لم يرد الأسد بعد أن شعر أن محاوريه بدأو يليّنون الموقف، حينها سأل عن مصير قريتي مَسعدَة ومجدل شمس المأهولتين في الجولان المحتل، أجاب كيسنجر أن الإسرائيليين يرفضون التفاوض بشأن هاتين القريتين. ودار الحديث بعدها عن مرصد جبل الشيخ الذي سيطرت عليه القوات السورية في الساعات الأولى للحرب، حينها أبلغ الوزير الأميركي الأسد حرفياً “أن الإسرائيليين ليسوا مستعدين لإعادة المرصد احتراماً للقرار 338” برغم أنهم سيطروا عليه بعد ساعات من سريان قرار وقف إطلاق النار في 22 تشرين الأول.

في ظل التعقيدات الحاصلة، أبدى الرئيس السوري استعداده للتخلي عن المسار السياسي، مقترحاً انتقال المباحثات إلى اللجنة العسكرية المصرية – الإسرائيلية في جنيف. بدت العملية التفاوضية وكأنها على وشك الانهيار برمتها، وانتهى اللقاء بين كيسنجر والأسد كما يلي: قال كيسنجر: إن لم أستطع أن أصل إلى نتيجة ناجحة، كيف يمكن أن استمر برحلتي هذه، هل نعلّق الجهود والمباحثات بضعة أسابيع بغية إعطاء فرصة للطرفين للنظر بعمق في هذه النقاط”. أجابه الأسد: “نعم”.

   الميادين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.