اخبارحلب
اخبار ميدانية و عسكرية و محلية من مدينة حلب و كامل المدن السورية

معركة الحسم في حلب اقتربت ..

معركة حلب تقترب من الحسم
0

ابنة الخمسة عشر عاماً التي هوت ظهيرة الأمس من شرفة زقاق حلبي، قد تكون الناعي الأول لانسحاب «جبهة النصرة» من شرق حلب، والمؤشر الأول على الحرب التي أعلنتها «النصرة» على المعابر وقاطنيها. فعندما انحنت الصبية على حبل غسيلها ظهيرة أمس في معبر بستان القصر، لم يتسن لها أن تُنعم النظر في شقوق المبنى المقابل للمعبر، ولم تر بريق الرصاصة التي كانت تسعى إليها، وبها، الى موت محقق في يوم حلبي هادئ. القناص الذي أرداها من كُوّة لا تبعد فوهة بندقيته أكثر من مئة متر عن رأس ضحيتها، افتتح بجثتها يوماً مكرساً لتوزيع الموت على معابر حلب بوتيرةٍ منخفضة.
لا قذائف عشوائية للانتقام من الحياة التي تحثُّ السير في غرب المدينة. قنصٌ على معابر اللجنة الأمنية المُخصصة لعبور المدنيين الى غرب المدينة، لإغلاقها. قصفٌ متقطع ومتصاعد على الشوارع المؤدية الى تلك المعابر، لقتل أكبر عددٍ ممكن من المدنيين في الغرب، وثني مدنيي شرق حلب عن المغادرة.
ذلك أن مصير أيام العبور والمهادنة الثلاثة بين الحلبين شرقاً وغرباً، لإنجاز انسحابِ نحوِ ألف مسلح من «النصرة» نحو ريف حلب الغربي، لم يعد يرتبط بما تُقرره «جبهة النصرة» في معقلها الحلبي الأخير، بل بأقدام المدنيين وحلبيي الشرق، وتصميمهم على مشي الأمتار الأخيرة في شرق حلب الى المعابر نحو حلب الغربية. ولا يرتهن مستقبلُ حلب ومعركتها في الساعات المقبلة بأي اعتبارات عسكرية محضة، فحسب، بل بمعرفة ما إذا كان الحلبيون في الشرق سيعمدون الى قلب الطاولة على «النصرة» و «أحرار الشام»، وتحدي المجموعات المسلحة، التي تنزلقُ بيئتُها الحاضنة من تحت أحذيتها العسكرية، بين السواتر الرملية نحو الغرب.
وعاشت حلب الشرقية مؤشرات على تصاعد توتر أعصاب «النصرة»، و «أحرار الشام»، مع اقتراب ساعة الإجلاء، اذ لجأت المجموعتان منذ الأمس الى نشر بلطجية حول المعابر المدنية. وطارد المسلحون بالعصيّ والضرب مدنيين كانوا يتقدمون من أحياء الهلك، وبستان الباشا، والشعار، وهنانو، باتجاه المعابر نحو حي الشيخ مقصود شمال المدينة. وتلقت هواتف حلب الشرقية رسائلَ نصّية من إعلام «النصرة» و «أحرار الشام» تصف بالخائن كل من حاول العبور وتتوعد بإعدامات ميدانية من سيحاول الخروج من شرق حلب. وسمع مشايخ في الغربية رداً من مشايخ مجموعات «صقور الجبل» توحي بأنهم فقدوا الصلة بالواقع وبالتطورات الميدانية. إذ ردّ هؤلاء عرضاً بخروج آمن، بالقول إنهم يستعدون لدخول حلب الغربية غزاةً فاتحين. وتعرض بعد الظهر معبران في حي الميدان، الى قصف متقطع. ورفضت «النصرة» و «أحرار الشام» السماح لـ «الهلال الأحمر السوري» بتنظيم قوافل الإغاثة، وطلبت أن تقتصر على «الهلال الأحمر التركي» وحده دون غيره .
ويأتي إجماع الأتراك والسعوديين والأميركيين على مناشدة «النصرة» الخروج من المدينة، متاخراً بعض الشيء. وليس مؤكداً أن يُؤثّر كلامُ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ولا اتفاقه مع فلاديمير بوتين، على قرار المتخندقين من «النصرة» شرق حلب. إذ أبدى أبو محمد الجولاني أكثر من مرّة القدرة على التمرد على الأتراك، في رفضه المنطقة الآمنة التركية، التي اعتبرها «خدمةً للأمن القومي التركي»، لا لقضية المجاهدين. كما خالف جميع الداعين الى القتال الى جانب الجيش التركي في عملية «درع الفرات». وحتى المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، نفسه، صاحب المبادرة، لا يتوقع لها النجاح، وينضم إلى شبه إجماع بأن «النصرة» لن تخرج من حلب.
وقال دي ميستورا أمس إن «جزءاً من المعارضة السورية في حلب غير راضٍ عن قيام جبهة النصرة بمنعه من مغادرة المدينة». وأضاف «أسمع من قوى المعارضة الرئيسية داخل حلب أن الكثيرين لا يستطيعون التسامح مع اتخاذ الأقلية من جبهة النصرة القرارات نيابة عن الجميع. يبدو ذلك منطقياً عندما يكون هناك ما لا يزيد عن 900 مسلح يتخذون القرارات نيابة عن 275 ألف شخص، وبالإضافة إلى ذلك يمنعونهم من مغادرة المدينة».
وفي ما يتعلق بفصل مقاتلي «المعارضة» عن «النصرة»، رأى دي ميستورا أنه بوسع القوى الإقليمية مثل السعودية وتركيا وقطر أن تؤدي دوراً حاسماً في هذا الشأن، لافتاً إلى أن بإمكان هذه الدول أن توجه المسلحين الذين تدعمهم لأن يطلبوا من مسلحي «النصرة» مغادرة حلب نحو إدلب، ما يُفقد روسيا وسوريا أي مبرر لقصف الأحياء الشرقية لحلب.
ويُسّجل إغاثيون دوليون في الجزء الشرقي من المدينة أن أكثر ما تخشاه المجموعات المُسّلحة هو أن ينجح اقتراح الهدنة، لا في فصل «النصرة» فقط عن بقية المجموعات، بل عن المدنيين الذين استنزفوا تحت الحصار من الداخل والخارج. واذا ما تمّت عملية إجلاء المسلحين، فالأرجح أن الفضل الأكبر في إقناع المسلحين بالصعود، كأسلافهم في حمص، والمعضمية، وداريا، الى الباصات الخضر، ومغادرة المدينة، يعود أولاً الى العمليات العسكرية السورية – الروسية، ولكنه يعود أيضاً وبشكل كبير، الى انسلاخ المدنيين عن المجموعات المسلحة.
والأرجح أن تتحول أيام الهدنة للعبور اليوم وغداً والسبت المقبل، الى امتحانٍ كبير، خصوصاً لـ «جبهة النصرة»، و «أحرار الشام»، لقدرتهما على ضبط المدنيين. وستكون هزيمة مضاعفة لمجموعات المسلحين اذا ما أفلتت الأمور من يدها، وتحولت عملية الإجلاء إلى هجرة مدنية جماعية من الشرق، نحو الغرب. ولا ينبغي الرهان على ليونة ثلاث مجموعات كـ «نور الدين الزنكي»، و «الجبهة الشامية»، أو «استقم كما أمرت»، لتأمين عملية الإجلاء، وإسقاط حلب من الداخل. إذ إنه بالرغم من عديدٍ تعدى الخمسة آلاف مقاتل فيها، لا تضاهي «النصرة» و «أحرار الشام»، لا في السلاح الذي تمتلك «النصرة» و»أحرار الشام» مخازنه الأخيرة الناجية من القصف الروسي السوري، ولا في خريطة الانتشار، التي لا تقتصر على بعض الأحياء والمعاقل. إذ إن الجبهة الشامية المتحدرة عديداً من أرياف حلب الشمالية، تكتفي بالانتشار في هنانو، والصاخور، والشعار. ويغلب الطابعُ الحلبي الريفي الجنوبي والغربي أيضاً على «الزنكي»، التي بثت مقاتليها في الكلاسة، والسكري، والشيخ سعيد جنوباً، أما «استقم كما أمرت»، ففد فقدت معقلها الأساسي في حندرات ومخيمه الذي اقتحمه «لواء القدس». وهكذا يعود قرار الجبهات وحلب الى «النصرة» و «أحرار الشام»، لانتشار مقاتليهما على كل الجبهات دون استثناء.
ويأخذ مسؤول روسي في المدينة، على نفسه، رهاناً كبيراً ألا تبصر الكاميرات المبثوثة في جوانب المعابر، مسلحاً واحداً يصعد الى أي باص. ويقول المسؤول الروسي إن «النصرة»، ومعها «أحرار الشام» لن تترك المدينة سلماً.
وبغض النظر عن بقاء أعداد كثيرة من مقاتليها في المدينة، فإن مجرد إلقاء مجموعة، مهما صغرت، سلاحها، سيؤدي الى تدحرج كرة ثلج التراجعات التي لن تتمكن «النصرة» من لجمها، أو السيطرة عليها. ويبدو أن رهان اللجنة الأمنية، والروس في المدينة، على انهيار المجموعات المسلحة، كبير الى حدّ القبول بما تقدم به الوسيط الدولي دي ميستورا من اقتراحات، تسليم الجزء الشرقي الى إدارة محلية من أعضاء المجموعات المسلحة، والاكتفاء بتثبيت مخافرَ للجيش السوري على مداخل الشرق، الذي سيتحول مسلحوه تدريجياً الى حامية معزولة، لا يمكنها البقاء في المدينة من دون الانصياع لشروط الدولة السورية، وهو ما حدث في تجارب المصالحات في مدن وبلدات الغوطة، التي تهاوت تدريجياً من الداخل، بعد دمجها في شبكة خدمات الدولة من صحة وتعليم وإيواء، وفتح أسواق العمل المجاورة للأهالي لاستعادتهم من المجموعات المسلحة، وتجفيف أسواق الارتزاق في الحرب التي اتسعت أسواقها وازدهرت، في ظلال سيوف أمراء الجهاد.

السفير – محمد بلوط

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.